jeudi 30 mars 2023
العاطفة ونمو شخصية الطفل
-مقدمة:
من اجل نمو سليم وطبيعي ، فان الإنسان بحاجة إلى بيئة طبيعية وسليمة والتي من شانها أن تلبي على الأقل حاجياته الضرورية، لاسيما خلال مرحلة الطفولة والتي تتطلب رعاية خاصة اعتبارا لخصوصية وحساسية هذه المرحلة من عمر الفرد، وهذا ما أشارت إليه وأكدت علية النظريات النفسية والتربوية لاسيما الإشباع العاطفي المتوازن للطفل.
-العاطفة والطفل:
تعتبر العاطفة من الحاجيات الأساسية التي يحتاجها الطفل وتساهم بشكل فعال في تشكيل شخصية سوية وسليمة، وتعتبر الأسرة، لاسيما الأبوان، المصدر الأولي والرئيسي الذي يتزود منهما الطفل بالغذاء العاطفي، وقد ذهبت بعض النظريات إلى الإشارة بان الطفل حتى وهو في بطن أمه يستطيع أن يتأثر بمشاعر وأحاسيس الأم، كما انه وأثناء عملية الرضاعة، فان الطفل لا يتغذى من الحليب فحسب وإنما يتغذى بالمشاعر والأحاسيس والعواطف بالتزامن مع عملية الرضاعة.
-ميزاج الأم والطفل:
إن بعض الأمهات وعن غير قصد قد يكونن في حالة نفسية مضطربة نتيجة لظروف موضوعية و (أو) ذاتية ينجم عنها نوع من العنف والقسوة والهيجان، مما يؤثر بشكل مباشر على ميزاج الطفل من خلال الانزعاج والبكاء حتى أثناء عملية الرضاعة، وهذا على العكس عندما تكون الأم في ميزاج هادئ ومتوازن، نجد الطفل في حالة من الهدوء والطمأنينة، لأنه يشعر بالأمن والأمان، فيقوم بحركات على مستوى الأطراف العلوية والسفلية، وتظهر على ملامحه علامات الفرح والسعادة من خلال الضحك والابتسامة، وتصدر عنه أصوات عبارة عن لغو وكأنه يريد التعبير شفويا عن هذه المشاعر السعيدة.
-العاطفة ونمو الطفل:
قد يستهين البعض بهذه المظاهر السلوكية لدى الطفل، ولا يعيرها أي اهتمام، لكنها هامة وقيمة وتعتبر من مفاتيح التعلم والاكتساب، فهي تخلق لديه الدافعية والإقبال، وتغرس فيه بوادر الرغبة في التواصل مع المحيط الخارجي، واكتساب الثقة بالنفس، فأصوات اللغو الأولى التي يصدرها الرضيع تعتبرمؤشرا ايجابيا على رغبته ومحاولته للتواصل اللفظي .
أما مرحلة الطفولة المبكرة، فهي حلقة متصلة ومتداخلة ومكملة لمرحلة الرضاعة من حيث سيرورة نمو شخصية الطفل، وهي جد حساسة ومصيرية كونها المرحلة التي يبدأ فيها الطفل المشي والكلام واكتساب صورة الجسم والوعي بالذات واللعب، وبداية تشكيل "الأنا" لديه، واستعمال حواسه في التواصل والتفاعل والاكتشاف والتعرف.
وخلال هذه المرحلة يكون دور الأسرة لاسيما الأم، يتركز حول المرافقة والمساعدة والتوجيه بطريقة سلسة وهادئة لتدعم فيه روح الاستقلالية، والاعتماد على النفس من خلال إعطائه الفرصة في تلبية حاجياته اليومية الأساسية، كالأكل واللباس والنظافة، وفي تقليد الراشدين في بعض النشاطات الاعتيادية المنزلية، وهذا ما يغرس فيه بذور الدافعية والإقبال وتعزيز الثقة بالنفس والرغبة في ربط علاقات مع المحيط الذي يعيش فيه.
أما إذا تدخل الأولياء بدافع العاطفة أو عن جهل بعواقب تصرفاتهم من خلال قيامهم بتلبية حاجيات الطفل أو منعوه من القيام بنشاطات التقليد على الرغم من امتلاكه لقدرات نسبية تمكنه من تلبيتها بمفرده، فان ذلك يؤثر على نمو شخصيته بشكل عام، وهذا يخالف المثل الصيني القائل:" لا تعطيني السمكة بل علمني كيف اصطادها".
قد يعتقد الأولياء أن هذا التصرف يوفر على طفلهم العناء والجهد، أو يضنون انه لا يملك القدرات الكافية التي تمكنه من تلبية تلك الحاجيات بالشكل الذي يريدونه، أو أنهم غير قادرين على التخلص من نمط التعامل المعتاد عندما كان في مرحلة الرضاعة، لكنهم لا يدركون بأنهم بصدد تعطيل نمو قدرات طفلهم، وأنهم يساهمون في سلب إرادته الذاتية، وروح المبادرة، والاتكال على النفس، لاسيما تعطيل الاستقلالية في أداء الأعمال الاعتيادية اليومية، والاندماج الاجتماعي، والنمو النفسي والسلوكي.
-العاطفة بين الإفراط والتفريط :
إن مبدأ لا إفراط ولا تفريط في طبيعة العلاقة ونوع المعاملة بين الأسرة والطفل، أصبحت أكثر من ضرورة في تشكيل شخصية سوية ومتوازنة، وهذا الأمر يستدعي التحلي بالرزانة والعقل والتعامل مع الأشياء بعين الموضوعية، والاطلاع على ما أقرته الأبحاث العلمية في مجال عالم الطفولة، والابتعاد قدر المستطاع عن الذاتية المبالغ فيها، والأنانية العمياء، حتى يتسنى لهم القدرة على مراقبة مشاعرهم والتحكم في أحاسيسهم وعواطفهم.
فالإفراط في الحنان والرعاية المبالغ فيها، والعاطفة الزائدة عن اللزوم التي يتعامل بها الأولياء مع أطفالهم من شانها التأثير سلبيا على سلوكياتهم، وإعاقة نموهم العام مستقبلا، إنهم لا شعوريا بصدد تشكيل شخصية اتكالية، ينتظر من الآخرين المبادرة في ربط علاقة معه وهو غير معني بذلك إلا في حالة تلبية رغبة شخصية، يعتقد أنه أفضل من الآخرين، وان هؤلاء مسخرين لخدمته، تنقصه روح المبادرة والاستقلالية في اتخاذ القرارات.
والتفريط والإهمال واللامبالاة والقسوة من قبل المحيط الأسري، لاسيما الأولياء تجاه الأطفال قد يؤدي إلى تشكيل شخصية غير سوية أو حتى مرضية، فقد تخلق لدى الطفل الشعور بالدونية والانحطاط، فاقد للثقة بالنفس، يجنح إلى العدوانية والانتقام، ينظم إلى جماعة السوء لتعويض الإحساس بالنقص، وقد نجده دائم الرسوب في دراسته ولا رغبة له فيها.
- الحرمان العاطفي وسلوك الطفل:
إن بعض الأطفال المحرومين عاطفيا، قد تظهر عليهم بعض الأعراض المرضية مثل، الإفراط الحركي، نقص الاهتمام، وضعف الانتباه والتركيز، إضافة إلى حركات غير عادية مثل، الاهتزازات والعرات والإيماءات، أو الانطواء على الذات، وهذه الأعراض تم ملاحظتها في ملاجئ للأطفال اليتامى بغواتيمالا
لقد أثبتت الدراسات والواقع المعاش، أن الكثير من الاضطرابات السلوكية التي يعاني منها بعض الأطفال مردها إلى المعاملات الخاطئة للأولياء، فالعناد، والعنف، والتنمر، والانعزال، والتهور..الخ، سلوكيات يكتسبها الأطفال من الوسط الأسري الذي يعيشون فيه.
فبعض الأولياء بسبب الجهل، والفقر، ومحدودية المستوى الدراسي والثقافي، وطبيعة العادات والتقاليد السائدة لديهم، نجد تعاملهم مع الأطفال أو فيما بينهم فيه نوع من القسوة والعشوائية والخلط والفوضى والمبالغة، فقد نجد سبب العناد عند الطفل مثلا راجع إلى طبيعة المعاملة التي يتلقاها من قبل أفراد الأسرة أو انه وجد هذا السلوك شائعا في الوسط الأسري فأكتسبه منه وأصبح عادة لديه مع مرور الوقت.
كما أن ظاهرة العنف والعدوانية التي نجدها سلوكا شائعا لدى بعض الأطفال، قد يكون مردها إلى القسوة والغلظة السائدة والغياب التام للجانب العاطفي بين أفراد الآسرة أو المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، وهو سلوك يلجأ إليه الطفل، إما دفاعا عن وجوده لأنه يشعر بعدم الأمن والأمان لأنه حرم منهما في الوقت الذين كان في أمس الحاجة إليهما، ويعتقد انه محيط بمخاطر مهددة لكينونته وحياته، إما تعويضا عن الإحساس بالنقص والضعف، فيلجأ لهذا السلوك لبين ويبرهن للآخرين انه قوي وقادر على دفع الأذى الذي يتوهمه في نفسه والذي هو غير موجود في الواقع.
-الخاتمة:
اعتبارا من كون شخصية الفرد مشكلة من عدة جوانب منها فكرية، نفسية، حسية، حركية، لغوية، وجدانية، وصحية، وان كل هذه الجوانب تنمو في سياق متناغم ومتكامل ولا يمكن فصل جانب على الآخر، فكل جانب يتأثر بالآخر، فان البعض من الأولياء وعن جهل، قد نجدهم ينشغلون بالتحصيل الدراسي لابنهم من خلال الاهتمام والمتابعة المستمرة لنتائجهم الدراسية، لكنهم غير مدركين بان شخصية الطفل لا تقتصر على الجانب الفكري والتحصيل الدراسي، وان النمو العام لشخصية الطفل تتأثر ببقية الجوانب الأخرى، فإذا حرم الطفل من الإشباع العاطفي الطبيعي والمناسب مثلا، فان مدركاته المعرفية قد تتأثر، وبالتالي تكون نتائجه الدراسية ضعيفة حتى ولو قدمنا له الدعم المدرسي.
وعليه بات من الضرورة بل ومن الواجب، القيام بعمليات التوعية والتحسيس، من خلال الإرشاد والتوجيه ينظمها المختصون في العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية، وبمشاركة مؤسسات وجمعيات ومنظمات موجهة للأولياء، بغرض غرس ثقافة صحيحة وايجابية في التعامل مع أطفالهم، الهدف منها تنشئة سليمة تعود بالفائدة على الأفراد والمجتمع.
من إعداد السيد: نورالدين بولفخاد
أستاذ متخصص في الإعاقة العقلية
رئيس مصلحة تقنية بيداغوجية
بمركز الأطفال دوي الإعاقة العقلية
(الجمهورية الجزائرية)
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
cv nouredine boulfekhad
REPUBLIQUE ALGERIENNE DEMOCRATIQUE ET POPULAIRE Curriculum vitae 1/ RENSEIGNEMENTS GÉNÉRAUX : - nom : boulefkhad - prénom : nouredine...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire