jeudi 30 mars 2023

من أفعال البالغين وضحاياها الأطفال !

-مقدمة: لقد قطعت الأبحاث العلمية في مجال العلوم الإنسانية أشواطا كبيرة لاسيما في المجال النفسي والتربوي للأطفال والتي جلها يقر بان خصوصيات الأطفال النفسية، والعقلية، والحركية، واللغوية، والجسمية ،تتطلب معاملة خاصة تتماشى وهذه الخصوصيات من اجل تنشئة سليمة وطبيعية. لكن يبدو أن الواقع الذي يعيشه بعض الأطفال، والظروف المحيطة بهم، لا تتناسب في اغلب الأحيان وما تقر هذه الأبحاث والنظريات، وهذا بداية بالخلية الأساسية في المجتمع المتمثلة في الأسرة، والتي تعتبر المرجع الأولي والأساسي التي يبني فيه الطفل سمات شخصيته القاعدية. فالأسرة ولأسباب عديدة قد لا تعير أي اهتمام لخصائص ومميزات الطفل، وبالتالي تغفل عن تلب رغباته وحاجاته الضرورية لنمو طبيعي وسليم، بل وقد يعمد البعض عن قصد أو غير قصد إلى تهميشه وإهماله والتعامل معه أو فيما بين أفراد الأسرة بطريقة قاسية وعنيفة، الشيء الذين يؤدي إلى تنشئة غير سليمة تتجلى مظاهرها في سلوكيات الطفل المنحرفة وشخصيته المضطربة، ومن خلال هذا المقال نحاول التطرق لبعض مظاهر حرمان الطفل من حقوقه الطبيعية داخل الوسط الأسري وآثاره السلبية في بناء شخصيته المستقبلية . 
  -الإهمال والتهميش: حسب تعريف دول الاتحاد الأوروبي هناك إهمال ''معلن" وإهمال ''سري"، وما يهمنا هو الإهمال المعلن والمعروف وهو"ترك الطفل لذاته وإعلان الاستقالة الأبوية"1، فالبعض من أفراد الأسرة نجدهم لا يعيرون أي اهتمام ولا مبالاة لأطفالهم لعدة أسباب منها ثقافية، اقتصادية، واجتماعية، فمنهم من لا يملك ثقافة العناية بالطفل، ولا يعرف مثقال ذرة عن أهمية معاملة الأطفال ورعايتهم والاهتمام بهم وتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية، إنهم يعتبرونهم كبقية الأشخاص الآخرين فحسب، كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة لبعضهم الآخر والمتمثلة في الدخل المحدود وربما الفقر المدقع، قد تكون من المعوقات التي تحول دون الاهتمام اللازم والرعاية المناسبة بالأطفال، فيتركونهم لحالهم دون متابعة ولا مرافقة ولا توجيه، وقد تكون طبيعة التركيبة الاجتماعية للأسرة لاسيما العادات والتقاليد التي تجعلها تعتقد بان الطفل المدلل لا يصنع الرجل القوي الصالح، إنهم يتحججون بهذه الفكرة التقليدية لتكون مبررا في إهمال أطفالهم، ونظرا للنتائج الخطيرة الناجمة عن هذا السلوك على شخصية الطفل المستقبلية وما يترتب عنها من تداعيات على الوضع الاجتماعي العام، هناك تدابيروقائية يجب على الدول والمنظمات والجمعيات اتخاذها وترتكز على محورين أساسيين، الأول يتمثل في حملات التوعية والتحسيس من خلال إبراز خطورة هذا السلوك على الطفل والأسرة والمجتمع، والثاني يكون عملي من خلال تقديم رعاية وتكفل للأطفال المهملين والمتخلى عنهم داخل مؤسسات متخصصة، أو تقديم إعانات للأسر للتكفل الأحسن بأطفالهم كما هو معمول به في بعض الدول المتقدمة من إجراءات تحسيسية وعملية والتي منها: -"تقديم الدعم والمساعدة الاجتماعية -إنشاء وحدات مختصة في شؤون الطفل والأم -خلق مصالح خاصة بالتخطيط العائلي -إنشاء مصالح الاستشارة للام والعائلة -تقديم الدعم المالي -تطبيق برامج مع الأسر في وضع عالي الخطورة -إنشاء مراكز تكوينية موجهة للأولياء"1 ويعاني بعض الأطفال من التهميش من قبل بعض أفراد الأسرة لأسباب عديدة، منها ما هو نابع من داخل الأسرة وهو عبارة عن عقاب معنوي يمارسه الراشدون على بعض الأطفال بغرض منعهم من بعض التصرفات التي يرونها غير لائقة، وعادة ما يكون ضحيتها الطفل المشوش أو المشاغب، أو كثير الحركة والفضولي، أو الذي يحب استكشاف الأشياء المحيطة، أو العنيد الذي لا يستجيب لطلباتهم وتوجيهاتهم فيصبح منبوذا ومكروها وغير مرغوب فيه، فيكون جزاءه التهميش وربما التعنيف اللفظي والجسدي، أو قد يعود إلى ظروف موضوعية ثقافية، اقتصادية، واجتماعية التي تعيشها الأسرة، فتكون هي بذاتها مهمشة، كل هذا يؤدي إلى حرمان الطفل من أحد حاجياته الأساسية وهي العاطفة والإحساس بالطمأنينة والأمن والأمان. وهذا ما يؤدي إلى اضطرابات على مستوى الشخصية، لاسيما غياب العلاقات الإنسانية، ونقص المشاعر العاطفية والوجدانية، إضافة إلى الإحساس بالدونية وغياب الثقة بالنفس، واختلال على مستوى القدرات العقلية، وعدم القدرة على تكوين صداقات ونسج علاقات اجتماعية ايجابية. 
  -التمييز بين الإخوة : يعاني بعض الأطفال من ظاهرة المفاضلة والتمييز من قبل أفراد الأسرة، فهذه الأخيرة وبدافع العاطفة المفرطة والانبهار، أو بناءا على بعض الاعتقادات السائدة في المجتمع، قد تسخر كل اهتمامها ورعايتها لأحد الأطفال على حساب الآخرين، وغالبا ما يكون صغير الإخوة، ربما يعتقد الآباء أن هذا الأخير ضعيف وغير قادر على حماية نفسه وتلبية حاجياته، وهو بحاجة إلى رعاية واهتمام أكثر من الآخرين، كما أن بعض الأسر تهتم أكثر بالأطفال الذكور على حساب الإناث، من خلال ميلهم إلى التحدث معهم، والاعتناء بهم في لباسهم وغذائهم وتعليمهم وصحتهم، وهذا السلوك التمييزي لم يأتي من فراغ، بل نابع من اعتقادات وأفكار سائدة في المجتمع، والتي تضن بان الذكر أرقى شأنا، وأفضل مكانة، وأعلى قيمة من الأنثى. إن هذه التصرفات سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، لها وقعها السلبي على شخصية الطفل سواء المفضل والمدلل أو المحروم والمهمش، فالدلال والمفاضلة ينتجان شخصية اتكالية، لا تملك روح المبادرة، تميل إلى نزعة التلقي من الآخر وهي لا تقدم أي شيء، تتصف بالغرور والتعالي على الآخرين. أما الحرمان، فيؤدي إلى الإحساس بالدونية والضعف، وعدم الثقة بالنفس، والغيرة، وروح الانتقام والثار من الآخرين، إضافة إلى ظهور اضطرابات أخرى نفسية، لغوية، حسية، وحركية. ولتفادي تداعيات هذا التعامل الخاطئ على الأطفال، على أفراد الأسرة لاسيما الأولياء احترام الخطوات والإرشادات التالية: "-امنح الفرصة لكل الأبناء لكي يحسوا بأنهم مميزين في عينيك -تعرف على جوانب القوة والمهارات والمميزات لكل طفل وثمن الفروق الفردية -تقبل طفلك كما هو -تقاسم أوقاتك مع الأطفال على انفراد -لا تميل لطرف على حساب أخر في فك النزاعات البينية -شجع أطفالك على التعاون فيما بينهم"1 
  -التنمر: "حسب الأمن العمومي والحماية المدنية لكندا فان "التنمر هو اختلال في التوازن بين القوى ينجم عنه عنف متكرر قد يكون شفوي أو جسدي أو نفسي"1، وقد نجد هذه الظاهرة في أوساط بعض الأسر على شكل استهزاء سواء بين أفرادها أو مع الآخرين، إما بنية التسلية والترفيه، أو قصد الحط من قيمة الأخر وإحباط معنوياته، وتكون هذه الظاهرة أكثر خطورة عندما يكون الأطفال هم ضحاياها، فبعض أفراد الأسرة يطلقون بعض الألقاب والتسميات على بعض الأطفال مأخوذة عن شخصيات بعض الأفلام أو الرسوم المتحركة تتميز بصفة ذميمة مثل، الجبن، أو الثرثرة، أو الغباء، أو يطلقون عليهم ألقاب بعض الحيوانات مثل الحمار،أو الفيل، أو السلحفاة، أو الفأر، أو الثعبان، أو الأفعى...الخ. قد لا يدرك أفراد الأسرة نتائج سلوكياتهم هذه، لكنها تخلف آثارا سلبية على شخصية الأطفال مستقبلا، إنها تزعزع ثقتهم بأنفسهم، وتجعلهم منطويين ناقمين على الآخرين، مشككين في قدراتهم وإمكانياتهم الذاتية. كما تنتشر ظاهرة التنمر بين التلاميذ في الوسط المدرسي، ولها ثلاثة ميزات رئيسية وهي: "-أفعال جارحة: وهي أفعال تخلف جروح نفسية وأضرار معنوية -أفعال مباشرة وغير مباشرة: الأفعال الجارحة تكون سواء أمام الضحية أو وراء ظهره -التكرار: الأفعال الجارحة لها طابع التكرار"2 
  -الكلام النابي: تتميز بعض الأسر في علاقاتها اليومية باستعمال الكلام النابي والبذيء، وذلك حتى أثناء الأوقات العادية ضاربة بذلك عرض الحائط القيم الأخلاقية النبيلة والمبادئ الإنسانية السامية، أو أنها غير واعية ولا مدركة لتداعيات هذه السلوكيات على تنشئة الأطفال، فهي عادات سيئة توارثتها أب عن جد، وأصبحت عبارة عن ردود أفعال آلية وطبع منتشر بين أفرادها. إن هذه السلوكيات السلبية تنتقل إلى الأطفال، والذين بدورهم ينشرونها بين زملائهم في الدراسة أو في الحي، والنتيجة أفرادا متمردين عن الأخلاق والآداب العامة، غير محترمين لمشاعر "عندما يسمع الأطفالآباءهم يتكلمون مع بعضهم بجمل مثل: "سئمت، أويكفيني منك، أو كرهت منك، أو لا أريدأنأراك" فهم لا يشعرون فقط بأنهم مجروحين ولكن يولد أيضا عدم الأمان لاعتقادهم بان آبائهم سينفصلون"1 -المشاجرة: تعتبر ظاهرة المشاجرة الدائمة والمنتشرة سواء بين الأولياء أو بين أفراد الأسرة، والتي تتخللها مظاهر العنف والعدوانية والكلام الفاحش أمام أنظار الأطفال أو ضدهم، من ابرز العوامل المؤثرة في بناء شخصيتهم، إنها تؤثر سلبا على الروابط الاجتماعية، والاستقرار النفسي والعاطفي، وتساهم في تشكيل شخصية تتميز بالعنف والعدوانية، والجنوح نحو الكراهية والانتقام، ناهيك عن التسبب في الفشل الدراسي، والانحراف والإدمان، والانضمام إلى جماعة السوء. صحيح انه لا توجد أسرة بدون مشاكل، وهذه هي طبيعة الحياة الإنسانية وما تقتضيه الحياة اليومية من صعوبات سواء كانت مادية أو معنوية، لكن هذا لا يجب أن يكون سببا في التعدي على حقوق الأطفال من خلال المساهمة في الإخلال بنموهم الطبيعي والسليم، فالمشاجرة اليومية ليست وسيلة لحل المشاكل بل قد تزيد في حدتها وخطورتها خاصة عندما يتعلق الأمر بسلوكيات الأطفال وحياتهم المستقبلية. وللإشارة فان العديد من الأسر يعتقدون أن هذه المشاجرات لا تأثر على المواليد الجدد ، لكن حسب الدراسات الحديثة أثبتت أن حتى الأطفال حديثي الولادة يتأثرون بهذا الجو المشحون، "إن الأطفال حديثي الولادة والذين هم في مرحلة ما قبل الشعور نجدهم يخزنون دعابات الأشخاص المحيطين بهم بما فيها حدة الأصوات والحركات"2 كما أن سوء التفاهم والمشاجرات المتكررة بين الوالدين أو بين أفرادالأسرة يؤثر بشكل سلبي على النمو الانفعالي للطفل، "مهما كانت درجة المشاجرة، فان التنشئة في وسط عائلي مشحون بالتوتر ممكن أن يتسبب في اضطرابات انفعالية عميقة لدى الأطفال"3 أما أطفال ما قبل سن الدراسة فان آثار مشاجرة أفراد الأسرة تبرز من خلال سلوكيات سلبية ملحوظة، "يعبرون عادة عن عدم رضاهم في تغير إيقاع نومهم أو غذائهم، وبإمكانهم الرجوع إلى مراحل نموهم المبكرة مثل، التبول والعدوانية"4 . ومن اجل المحافظة على نمو طبيعي وسليم للأطفال فان الأولياء من واجبهم أن يتجنبوا المشاجرة أمام أطفالهم مهما كانت الظروف، ويضعون مصلحة الأطفال نصب أعينهم، وإذا تفاقم الوضع بإمكانهم التفاهم ومعالجة مشاكلهم بعيدا عن أطفالهم. 
  -عمالة الأطفال: تنتشر ظاهرة عمالة الأطفال بشكل كبير داخل المجتمعات الفقيرة والمهمشة والتي تنتشر فيها الأمية والجهل بين أفرادها، وغالبا ما نجد أطفال هذه المجتمعات إما أنهم لم يلتحقوا بمقاعد الدراسة، أو غادروها مبكرا نظرا لعدم توفر الشروط المناسبة لذلك. إن بعض الأسر لاسيما تلك التي تعيش في المناطق المعزولة أو النائية أو حتى تلك التي دخلها المادي متواضع، نجدها تدفع بأطفالها إلى ممارسة مهن مختلفة سواء بورشات صناعية أو نشاط الشحن والتفريغ أو نشاطات تجارية، مثل بيع مختلف المواد الاستهلاكية اليومية، فهذه النشاطات زيادة على كون القانون لا يسمح بممارستها من قبل الأطفال نظرا لصغر سنهم والمخاطر الصحية التي تشكلها عليهم، فان اغلب أصحابها يتحايل على الأطفال ويستغلون براءتهم من خلال المقابل المادي الزهيد والتهرب من دفع الضرائب، و عدم التصريح بهم لدى مصالح التامين. ومن اجل المحافظة على بيئة اجتماعية سليمة لاسيما المحاظة على صحة وسلامة الاطفال والحرص على تكريس حقهم القانوني والانساني في التربية والتعليم تعمل الحكومات والمنظمات والجمعيات جاهدة من اجل القضاء على ظاهرة عمل الاطفال وقد قطعوا أشواطا ملحوظة في هذا الاتجاه والذليل انخفاض محسوس حسب احصائيات منظمة العمل الدولية واليونيسيف"انخفض عدد الأطفال في عمالة الأطفال بمقدار 85.5 مليون بين عامي 2000 و 2020 ، من 16٪ إلى 9.6٪."1 لكن هذا الانخفاض المحسوس يمكن أن يتصاعد إذا تراجع الدعم الحكومي ومجهودات المنظمات والجمعيات، "تشير التقديرات إلى أنه بدون استراتيجيات التخفيف، يمكن أن يرتفع عدد الأطفال في عمالة الأطفال بمقدار 8.9 مليون بحلول نهاية عام 2022 ، بسبب ارتفاع الفقر وزيادة الضعف المادي".2 
  -الخاتمة: لا يستقيم أمر مجتمع ولا يعرف طريقا نحو النمو والازدهار والتقدم في جميع مجالات الحياة إلا من خلال الاهتمام بمجال التربية والتعليم والتعامل السليم مع الأطفال، والحرص على الرعاية والاهتمام بهم وتلبية احتياجاتهم الطبيعية والحقوقية، منها الصحية، والتعليمية، والنفسية، والثقافية، والاجتماعية،...الخ. وهذه المهام الأساسية والنبيلة يسهر على ضمانها كل مؤسسات المجتمع، وبدايتها تكون من الخلية الأولى وهي الأسرة، ورياض الأطفال، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والدينية، ووسائل الإعلام بكل أنواعها المقروءة، والمرئية، والمسموعة، كل يعمل في مجال اختصاصه ومهامه والهدف واحد وهو تنشئة سليمة لجيل صالح أخلاقيا، متمكنا علميا، سويا نفسيا، وسليما صحيا، قادرا على رفع راية التقدم والازدهار، متمسكا بهويته الوطنية، مدافعا على قيمه الحضارية والإنسانية. 

-المراجع: 1-Laboratoire CRPPC, Université Lumière Lyon2, Lyon, France –p1 2-https://naitreetgrandir.com/fr/etape/1_3_ans/viefamille/fiche.aspx?doc=equite-entre-freres-soeurs https://amelioretasante.com/consequences-disputes-devant-enfants/-3 4- https://www.un.org/ar/observances/world-day-against-child-labours 5-- https://securitepublique.gc.ca/res/cp/res/bully-fra.aspx 6-Christel Leblanc.L'intimidation en milieu scolaire. Presses de l'Université Laval.2013.p11

 السيد: بولفخاد نورالدين أستاذ التعليم المتخصص رئيسي ورئيس

 مصلحة تقنية وتربوية بالمركز النفسي البيداغوجي للأطفال المعوقين عقليا (الجمهورية الجزائرية)

العاطفة ونمو شخصية الطفل

-مقدمة: من اجل نمو سليم وطبيعي ، فان الإنسان بحاجة إلى بيئة طبيعية وسليمة والتي من شانها أن تلبي على الأقل حاجياته الضرورية، لاسيما خلال مرحلة الطفولة والتي تتطلب رعاية خاصة اعتبارا لخصوصية وحساسية هذه المرحلة من عمر الفرد، وهذا ما أشارت إليه وأكدت علية النظريات النفسية والتربوية لاسيما الإشباع العاطفي المتوازن للطفل. -العاطفة والطفل: تعتبر العاطفة من الحاجيات الأساسية التي يحتاجها الطفل وتساهم بشكل فعال في تشكيل شخصية سوية وسليمة، وتعتبر الأسرة، لاسيما الأبوان، المصدر الأولي والرئيسي الذي يتزود منهما الطفل بالغذاء العاطفي، وقد ذهبت بعض النظريات إلى الإشارة بان الطفل حتى وهو في بطن أمه يستطيع أن يتأثر بمشاعر وأحاسيس الأم، كما انه وأثناء عملية الرضاعة، فان الطفل لا يتغذى من الحليب فحسب وإنما يتغذى بالمشاعر والأحاسيس والعواطف بالتزامن مع عملية الرضاعة. -ميزاج الأم والطفل: إن بعض الأمهات وعن غير قصد قد يكونن في حالة نفسية مضطربة نتيجة لظروف موضوعية و (أو) ذاتية ينجم عنها نوع من العنف والقسوة والهيجان، مما يؤثر بشكل مباشر على ميزاج الطفل من خلال الانزعاج والبكاء حتى أثناء عملية الرضاعة، وهذا على العكس عندما تكون الأم في ميزاج هادئ ومتوازن، نجد الطفل في حالة من الهدوء والطمأنينة، لأنه يشعر بالأمن والأمان، فيقوم بحركات على مستوى الأطراف العلوية والسفلية، وتظهر على ملامحه علامات الفرح والسعادة من خلال الضحك والابتسامة، وتصدر عنه أصوات عبارة عن لغو وكأنه يريد التعبير شفويا عن هذه المشاعر السعيدة. -العاطفة ونمو الطفل: قد يستهين البعض بهذه المظاهر السلوكية لدى الطفل، ولا يعيرها أي اهتمام، لكنها هامة وقيمة وتعتبر من مفاتيح التعلم والاكتساب، فهي تخلق لديه الدافعية والإقبال، وتغرس فيه بوادر الرغبة في التواصل مع المحيط الخارجي، واكتساب الثقة بالنفس، فأصوات اللغو الأولى التي يصدرها الرضيع تعتبرمؤشرا ايجابيا على رغبته ومحاولته للتواصل اللفظي . أما مرحلة الطفولة المبكرة، فهي حلقة متصلة ومتداخلة ومكملة لمرحلة الرضاعة من حيث سيرورة نمو شخصية الطفل، وهي جد حساسة ومصيرية كونها المرحلة التي يبدأ فيها الطفل المشي والكلام واكتساب صورة الجسم والوعي بالذات واللعب، وبداية تشكيل "الأنا" لديه، واستعمال حواسه في التواصل والتفاعل والاكتشاف والتعرف. وخلال هذه المرحلة يكون دور الأسرة لاسيما الأم، يتركز حول المرافقة والمساعدة والتوجيه بطريقة سلسة وهادئة لتدعم فيه روح الاستقلالية، والاعتماد على النفس من خلال إعطائه الفرصة في تلبية حاجياته اليومية الأساسية، كالأكل واللباس والنظافة، وفي تقليد الراشدين في بعض النشاطات الاعتيادية المنزلية، وهذا ما يغرس فيه بذور الدافعية والإقبال وتعزيز الثقة بالنفس والرغبة في ربط علاقات مع المحيط الذي يعيش فيه. أما إذا تدخل الأولياء بدافع العاطفة أو عن جهل بعواقب تصرفاتهم من خلال قيامهم بتلبية حاجيات الطفل أو منعوه من القيام بنشاطات التقليد على الرغم من امتلاكه لقدرات نسبية تمكنه من تلبيتها بمفرده، فان ذلك يؤثر على نمو شخصيته بشكل عام، وهذا يخالف المثل الصيني القائل:" لا تعطيني السمكة بل علمني كيف اصطادها". قد يعتقد الأولياء أن هذا التصرف يوفر على طفلهم العناء والجهد، أو يضنون انه لا يملك القدرات الكافية التي تمكنه من تلبية تلك الحاجيات بالشكل الذي يريدونه، أو أنهم غير قادرين على التخلص من نمط التعامل المعتاد عندما كان في مرحلة الرضاعة، لكنهم لا يدركون بأنهم بصدد تعطيل نمو قدرات طفلهم، وأنهم يساهمون في سلب إرادته الذاتية، وروح المبادرة، والاتكال على النفس، لاسيما تعطيل الاستقلالية في أداء الأعمال الاعتيادية اليومية، والاندماج الاجتماعي، والنمو النفسي والسلوكي. -العاطفة بين الإفراط والتفريط : إن مبدأ لا إفراط ولا تفريط في طبيعة العلاقة ونوع المعاملة بين الأسرة والطفل، أصبحت أكثر من ضرورة في تشكيل شخصية سوية ومتوازنة، وهذا الأمر يستدعي التحلي بالرزانة والعقل والتعامل مع الأشياء بعين الموضوعية، والاطلاع على ما أقرته الأبحاث العلمية في مجال عالم الطفولة، والابتعاد قدر المستطاع عن الذاتية المبالغ فيها، والأنانية العمياء، حتى يتسنى لهم القدرة على مراقبة مشاعرهم والتحكم في أحاسيسهم وعواطفهم. فالإفراط في الحنان والرعاية المبالغ فيها، والعاطفة الزائدة عن اللزوم التي يتعامل بها الأولياء مع أطفالهم من شانها التأثير سلبيا على سلوكياتهم، وإعاقة نموهم العام مستقبلا، إنهم لا شعوريا بصدد تشكيل شخصية اتكالية، ينتظر من الآخرين المبادرة في ربط علاقة معه وهو غير معني بذلك إلا في حالة تلبية رغبة شخصية، يعتقد أنه أفضل من الآخرين، وان هؤلاء مسخرين لخدمته، تنقصه روح المبادرة والاستقلالية في اتخاذ القرارات. والتفريط والإهمال واللامبالاة والقسوة من قبل المحيط الأسري، لاسيما الأولياء تجاه الأطفال قد يؤدي إلى تشكيل شخصية غير سوية أو حتى مرضية، فقد تخلق لدى الطفل الشعور بالدونية والانحطاط، فاقد للثقة بالنفس، يجنح إلى العدوانية والانتقام، ينظم إلى جماعة السوء لتعويض الإحساس بالنقص، وقد نجده دائم الرسوب في دراسته ولا رغبة له فيها. - الحرمان العاطفي وسلوك الطفل: إن بعض الأطفال المحرومين عاطفيا، قد تظهر عليهم بعض الأعراض المرضية مثل، الإفراط الحركي، نقص الاهتمام، وضعف الانتباه والتركيز، إضافة إلى حركات غير عادية مثل، الاهتزازات والعرات والإيماءات، أو الانطواء على الذات، وهذه الأعراض تم ملاحظتها في ملاجئ للأطفال اليتامى بغواتيمالا لقد أثبتت الدراسات والواقع المعاش، أن الكثير من الاضطرابات السلوكية التي يعاني منها بعض الأطفال مردها إلى المعاملات الخاطئة للأولياء، فالعناد، والعنف، والتنمر، والانعزال، والتهور..الخ، سلوكيات يكتسبها الأطفال من الوسط الأسري الذي يعيشون فيه. فبعض الأولياء بسبب الجهل، والفقر، ومحدودية المستوى الدراسي والثقافي، وطبيعة العادات والتقاليد السائدة لديهم، نجد تعاملهم مع الأطفال أو فيما بينهم فيه نوع من القسوة والعشوائية والخلط والفوضى والمبالغة، فقد نجد سبب العناد عند الطفل مثلا راجع إلى طبيعة المعاملة التي يتلقاها من قبل أفراد الأسرة أو انه وجد هذا السلوك شائعا في الوسط الأسري فأكتسبه منه وأصبح عادة لديه مع مرور الوقت. كما أن ظاهرة العنف والعدوانية التي نجدها سلوكا شائعا لدى بعض الأطفال، قد يكون مردها إلى القسوة والغلظة السائدة والغياب التام للجانب العاطفي بين أفراد الآسرة أو المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، وهو سلوك يلجأ إليه الطفل، إما دفاعا عن وجوده لأنه يشعر بعدم الأمن والأمان لأنه حرم منهما في الوقت الذين كان في أمس الحاجة إليهما، ويعتقد انه محيط بمخاطر مهددة لكينونته وحياته، إما تعويضا عن الإحساس بالنقص والضعف، فيلجأ لهذا السلوك لبين ويبرهن للآخرين انه قوي وقادر على دفع الأذى الذي يتوهمه في نفسه والذي هو غير موجود في الواقع. -الخاتمة: اعتبارا من كون شخصية الفرد مشكلة من عدة جوانب منها فكرية، نفسية، حسية، حركية، لغوية، وجدانية، وصحية، وان كل هذه الجوانب تنمو في سياق متناغم ومتكامل ولا يمكن فصل جانب على الآخر، فكل جانب يتأثر بالآخر، فان البعض من الأولياء وعن جهل، قد نجدهم ينشغلون بالتحصيل الدراسي لابنهم من خلال الاهتمام والمتابعة المستمرة لنتائجهم الدراسية، لكنهم غير مدركين بان شخصية الطفل لا تقتصر على الجانب الفكري والتحصيل الدراسي، وان النمو العام لشخصية الطفل تتأثر ببقية الجوانب الأخرى، فإذا حرم الطفل من الإشباع العاطفي الطبيعي والمناسب مثلا، فان مدركاته المعرفية قد تتأثر، وبالتالي تكون نتائجه الدراسية ضعيفة حتى ولو قدمنا له الدعم المدرسي. وعليه بات من الضرورة بل ومن الواجب، القيام بعمليات التوعية والتحسيس، من خلال الإرشاد والتوجيه ينظمها المختصون في العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية، وبمشاركة مؤسسات وجمعيات ومنظمات موجهة للأولياء، بغرض غرس ثقافة صحيحة وايجابية في التعامل مع أطفالهم، الهدف منها تنشئة سليمة تعود بالفائدة على الأفراد والمجتمع. من إعداد السيد: نورالدين بولفخاد أستاذ متخصص في الإعاقة العقلية رئيس مصلحة تقنية بيداغوجية بمركز الأطفال دوي الإعاقة العقلية (الجمهورية الجزائرية)

cv nouredine boulfekhad

 REPUBLIQUE ALGERIENNE DEMOCRATIQUE ET POPULAIRE Curriculum vitae       1/ RENSEIGNEMENTS GÉNÉRAUX : - nom : boulefkhad - prénom : nouredine...